الأربعاء، 20 نوفمبر 2013

معلمة، أم لا!



صمتت في لحظة, في جزء من اللحظة أحس قلبٌ آخر باليأس من صمتها, حيث أنه كان يعتقدها الركن الشديد له إذ ذاك, وفي اللحظة ذاتها: كان صمتها يعني إيمانها التام التام بذلك القلب.!
فليس كل ما يظهر في آن الحدث دائمًا يشير إلى صحة الشعور الذي شعرنا, كثيرةٌ هي الأمور التي تخفى؛ فقط لأجل أن تبزغ في وقتٍ غير الوقت؛ لأن حلّتها لم تَلِقْ بتلك الساعة, وكانت أليقةً بهذه.

نعم, هي صمتت أمام الجميع, لكنها نطقت بشائر أمامهم في الحين الذي كان الأبهى بها أن تنطق, صمتت حيث أنه لم يكن بالوسع ما يربت على انكسار تلك الروح التي استجدت حديثًا منها, لكن ما إن اتسع لها الرحب لم تأذن لغيرها بالنطق ليقوم صلب الروح من جديد, وتعود كأن لم تكن قد انكسرت من قبل.

كان على الجميع أن لا يقول شيئًا, فالحيرة هناك كأنها ارتدت لباس الملك الذي يجب أن يهابه الجميع, ويُسكِتوا أفواههم ولو استطاعوا لأسكتوا أفكارهم في حضرته.
تصور|ي معي: لو أن أمًا بعثت طفلها الصغير إلى بقالة في ركن حيهم ليحضر خبزًا, لم يكن لها سوى ذلك الطفل, فإما أن تبعثه, وإما أن يموتا جوعًا.
وتصور أيضًا أنها تريد إرساله ليبتاع الخبز لأول مرة, تريد أن تثق وتخاف ثقتها, فههل يبقى غير التردد والحيرة, الطفل لا يعي جيدًا ما يفعل, أو لم تكن له تلك الوسائل التي تعينه أن يفعل, مع هذا, شحنت كل كيان صغيرها ثقة -وقلبها يرجف- وتركته يذهب.

ذلك ما حدث, ذهب الصغير, اشترى خبزًا, رجع إلى حبيبته التي أودعت فيه أنه قادر, وأنها تثق, وأن... وأن... صنعت له العشاء, تناولاه معًا, وفي حجيرات خافقه تناول جرعًًا من ثقة, كبرت معه, والأم لا تدري.

الآن دعونا من تصورات العقل, وتعالوا بنا نأخذ صورًا من الواقع القريب.

قالوا عنها بأنها حفظت كتاب الله, واقترحت دارها التي تخرجت كحافظةٍ منها أن تكون معلمةً هناك, لكن كان لزامًا عليها أن تكون معلمةً للأمهات, فقد كانت الفتاة كفيفة, ولا مجال لها أن تُنَصَّبَ معلمةً تأسيسية, فالتأسيس بحاجةٍ إلى سبورة... شرح للتجويد على وسائل تعليمية متخصصة... إلى وسائل تحفيزية... تقريبية... إلى... وإلى...
-موعد المقابلة التي أعلن فيها منصبها, فلانة: معلمة للأمهات...!
تستجمع أنفاسها: لا بأس, لا بد أن نجتث تلك القاعدة.!
*عفوًا أستاذتي الكريمة, لكني لا أجد فيَّ روحًا ترغب بتعليم الأمهات مطلقًا.
*لماذا, صدقيني ستحبينهن, سيسعدن بك, س... س... ويدلي الجميع بدلوه, إلا نجمٌ فضل الأفول هذه المرة -وقد اعتدناه ساطعًا-.
ثم تصرح المشرفة بأنه قرار من مركز الإشراف, فلا بد أن نصدقكِ: تعلمين أنكِ بحاجة إلى أن تفعلي وتشرحي وتصنعي و... هل تستطيعين؟
ترددٌ, ثم نعم, سأفعل بإذن الله, وإن لم يكن, فلا بأس, تجدون أفضل مني.
*سنطلع المركز على رأيكِ ونخبركِ.

-يومان فقط, ثم يسطع نجمنا الآفل, معلمة تلك الفتاة التي خرجتها, تتصل وتبشرها بأن: الدار متمسكة وتريد, تريد أن تجرب, وأنتِ تستطيعين.
وأنتِ تستطيعين...*
تابعت المعلمة حديثها: كنت صامتة يوم المقابلة؛ لأني أردتكِ وصديقتكِ أن تصمدا أمام قرار مركز الإشراف, كنت أثق بكما.!
البلسم الذي صبغت به روح تلميذتها دون أن تعلم, أو قد تكون تعلم.

إنه لمن الصعب جدًا أن تمنح ثقتك لمن تؤمّل فيه, فكيف بمن قد ترى أنك مجازفٌ حين تثق به حيال موقفٍ ما.؟!
لكنها فعلت ذلك, ومذ أن صارت تلك الفتاة معلمة تأسيسية للأطفال -كما كانت ترغب- وهي مزمعةٌ ألّا تنأى بتلك الثقة الممنوحة دون ما سمت إليه, أبدً.
*ثم ليس فقط.!

|فاطمة الغامديّ.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق