السبت، 15 ديسمبر 2018

عزاءات


هذا كتابٌ للذين يتبنّون الحلول دائمًا مثلي، للذين كلما أرتهم الدنيا جانبًا موغلاً في الشتات؛ أروها كيف أنهم يستطيعون لملمته؛ ليصبح أبهى مما كان عليه قبل الشتات، وأبلغ من أن يقال في بلغة مخبره كلام.

أذكر ألوان كل أزمة طرقت أبواب نفسي مذ نشأت وحتى الساعة، أذكر كيف كانت كقطع الليل المظلم؛ ولكنها سرعان ما يلبسها الله البياض؛ لتكون كقطع الغيم السابح في السماء... هذا أنموذج من نماذج اختراع الحلول –والحمد لله-.
بالطبع لا أزعم أني الواحدة التي أصابتها الدنيا، ولكني أحاول أن أكتب؛ لأبرأ ولو شيئًا قليلاً.

كل ما مرّ بي طائفٌ من أسى الدنيا؛ تعزّيتُ بلطف الله الكامن في كل ذلك ولمّا أره، ولكني أعلمه علم اليقين، ولعل هذا العلم هو ما يفتح في صدري نوافذ الصبر ويرسل من خلالها أنداء الرضا، أنداءً ولكني أعوّل على رحمة الله أن يرسلها بعدُ وابلاً.
ليس هذا العزاء وحسب، لكنه أول ما يستقر في نفسي بدء كل حادث، وسأجيل النظر في قلبي؛ لعلي أتبين المزيد.
-يعزيني تذكّر النعم التي لا أقدر على تذكرها –أجل أنها تحيط بي إحاطة الهواء بالأرض-، كيف أني ما مسني ألم إلا وكان التفريج ماءً باردًا أنسى معه ما حل بي.
-يعزيني أني كلما قلقتُ وخشيتُ أن لا ينقضي الأسى –وأنا أعلم أنه سينقضي- لكنه قلب الإنسان، كلما قلقتُ وسخّر الله لي؛ أستحيي من قلقي الذي يتجدد كل مرة، ويتجدد تسخير الله كل مرة مثلها؛ ولكني أستعجل.
-يعزيني أني أعلم أن الله هو من اختار لي ذلك، ولا يختار إلا عن علم، ولا يقدّر إلا مع تمام الحكمة، أنه لا يد لأحد في كل هذا، هو الله وحده؛ يسكب في نفسي السكينة التي أكتب هذه التعازي؛ لتأنس نفسي بها لحظات ضعفها ولا تنسى.
-يعزيني كل مرة أنه في كل أزمة؛ يفتح الله لي بابًا من خير، بابًا آنس بالدخول من خلاله؛ كأنما يعلّمني أن لا حزنًا محض، لا مصيبة كاملة، ويتراءى لي قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: "لن يغلب عسرٌ يسرين" وأقول إي والله ما نزل بي عسرٌ إلا وصاحبته تياسير لا أكاد أحصيها، لكن "وخُلِق الإنسانُ ضعيفًا".
-يعزيني القول الذي قرأته ولا أعلم كاتبه، لكني أعوّل على الله مكافأته، وأحسبه قاله صادقًا؛ حتى بلغ فيّ ما بلغ، قال ما يعني: "إن الله الذي أعطاك القرآن؛ لا يخذلك، كيف وقد أعطاك أعظم ما في الدنيا واصطفاك له".؟!
وكلما ساءني شيء قلت: يا رب، وقد أعطيتني القرآن؛ سرّني به! أنا التي أخذتُ القرآن أخذًا ضعيفًا، ولم أعطه كلّي وأعترف، لكني أتوسّل إليك في كل نازلة بحبه، حبه وحب أهله ومعلميه وطالبيه وحافظيه وكل من يوقن بأنه معجزة الدين والحياة كلها، وأُشهِد الله أن أبواب اليسر في كل عسر لم تُفتَح لي إلا ببركته، ومن خلاله، ولم أعهد من مسرات الدنيا مسرة تماثل حمله وحبه وصحبة من أحبه.
-وختامًا: يعزيني أني لم أرَ آخذًا بأحسن الحلول كمن أخذ بكتاب الله، كتاب الله هو المانح للفأل، للرجاء، ولتلمس وجوه اللطف في كل ما حكم ربنا وقدّر، "وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة:... ولا نبغي بخيرة الله بدلاً.

بث دون مراجعة.


من هذه النقطة البادئة، منها: أنا لا أعلم ما الذي يمكن أن أكتبه، لقد جاهدت نفسي جهادًا حتى تستجيب وتبدأ في الكتابة وإن لم تعلم ما الذي سيخرج من مشكاة قلبها، هي مثقلة بالكلام وتريد أن تلقيه عن صدرها وحسب...
في كل ليلة أستعد فيها للنوم؛ لم يكن النوم ليأتي سريعًا، بل على العكس، ما أن أغمض عيني إلا وتُسرد علي الأفكار سردًا طويلاً، أخذت أبحث عن الأسباب التي تجعلني أنام مطمئنة بعيدًا عن قرصات التساؤلات، وحيرة الإجابات، وكذب المسكنات من فئة: لعل، وربما، ولا بأس...

أذكر أني فتحت عيني بعد غفوة سريعة سرقتها من خضم التفكير، فتحتها على هزيم الرعد، كان هزيمًا عاليًا، والذي كنت أعرفه أني أخاف من هزيمه، ولكني ساعة استيقظت كنت منزعجة، منزعجة فقط، يبدو أن حاجتي للنوم كانت أقوى، وأن لدي من المخاوف ما يفوق هزيم الرعد –أو لعله-.
فاطمة أنتِ تحبين المطر، ولكن قلبي لاه، وإذًا؟ إذًا أن السبب الأول الذي لا يجعلني أنام سريعًا، ولا أحس بالمطر؛ هو اشتغال قلبي.
أدركتُ أني كنتُ أرى المطر وأستمتع به بعين راحة البال لا بشيء غيرها.

وأذكر أني أصبت بذات النوبة وقت إذ كنت متعبة، لم يكن المطر كافيًا لإسعادي، ولا الطعام اللذيذ، ولا العطر المفضل الذي أقوم برشه على رداء النوم؛ فتتسلل الحياة منه إلى صدري.
أدركتُ أني كنت أحس بكل هذا الجمال الخارجي؛ من خلال عافيتي، عافيتي المتفجرة من روحي إلى جسدي.

قد نظن بأن هذه بدهيات خالصة، لا، هي ليست كذلك أبدًا.
لم يكن سؤال الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة من أذكار الصباح والمساء؛ إلا وهو سؤال محوري لا تقوم الحياة إلا به، فالمعافى يعيش باحثً عن مؤنساته ورغباته وطموحاته، والسقيم يعيش باحثًا عن العافية، العافية لا غير.
ولم يكن الأمن من الأسباب التي من حازها فكأنما حاز الدنيا بحذافيرها؛ إلا وهو النور من وحشة طرقات الدنيا.

أنا الآن أقول بملء روحي، بكل عقلي، بكل كلمة يمكن أن تبلّغ عني هذا المعنى:
لن تصفو الدنيا أبدًا، أبدًا لن تفعل، أنا أعرف، وأنت تعرف هذا، لكني أنا الآن أحسه وأفهمه جيدًا جيدًا.
وقد اهتديتُ إلى أن أسأل الله أن: أمسك الدنيا بأطراف أصابعي؛ حتى إذا انفلتت منها؛ لا آسف على شيء.
أعلم أني لعلي أحنث في قولي هذا، ولكني أرجو أن يبثّ الله في قلبي اليقين الكافي بذلك؛ كي تقر عيني ولا أحزن.
أرجو أن أنام في سلام كل ليلة، ولكني أرجو أن أطمئن إلى قدَر الله إن كتب علي أن أنام على فكر طويل/ أو خوف/ أو حزن في أي الليالي.
أنا الآن أنظر من طرفٍ خفي إلى الغد، ولا أعلم ما كُتِب لي فيه، لكني أرجو أن يهبني الله الرضا عنه في كل حال، الرضا عن الله هو ما يجعل نظرتك واحدة مهما كان المنظر، وحالك واحد مهما تقلب بك الحال، وقلبك ثابت ثبات أُحُد مهما تزلزلت الدنيا من تحت أقدامك.

الأحد، 25 فبراير 2018

انقباض جريء.

شيء ما يدفع بكلتا يديه في صدرك، يثخنك بالأسئلة، ويحيّر قلبك المضطرب، ثم تجد أنّك بحاجة إلى أن تدفعه بالكلام؛ لكن الكلام لا يجدك في تلك الساعة... الملجأ الذي طالما عاهدك على استقبالك في كل حال هو إدارة ظهرك لهذا العاالم حتى تهدأ.

تلك الأوقات التي تبلغ الهشاشة بقلبك حد أن نبرةً ما قد تبكيك، كلمةً قد تؤرّقك، مزاح بارد ثقيل قد يجعلك تفقد سيطرتك على انفعالاتك... ترى كل الكلمات المعاتِبة موجّهةً إليك -وإن لم-، وتحس بالضعف يأكل عضلة قلبك حتى تظنّ أن لا قلب بك...

هذه ليست مبالغات، ولا أساطير ليس لها صورة في الواقع؛ لكنها الروح تنقبض وتنبسط، والأقدار التي يأمر الله بها فتجري على كل حيّ ستجري، لكن كيف سيتقبّلها؟ كيف سيتصرّف معها؟ من سيأخذ بيده؛ فيعينه على ملاحقة الضعف وجمع عضلات قلبه التي أُكِلت قبل أن تُهضَم؟

أحبّ جدًا أولئك الذين ينظرون إلى كلّ ذلك بنور الله، وأن يعلموا أنّ القوّة لله جميعًا، ولا يعوّلوا على وجود أحد ولا حبّه دون حبّ الله وقيّوميّته... لكن: قرأتُ كلامًا بالأمس تقول كاتبته بأن الإنسان بحاجة إلى إنسان روحه الآخر، إلى من يحبّه ويسنده ويكون كفّه مرّة ورئته أخرى وعينيه ثالثة... يكون التمام لكلّ ما نقص منه وفيه، وقالت لو لم يكن ذلك مهمًّا لما كان السجن عقوبة؛ حيث لا مؤنس ولا حبيب... *بتصرّف*.

لقد كان كلامها بمثابة البوصلة، لقد كنت أطرب لمعنى الاكتفاء بالنفس بعد الله ولا زلت؛ لكني أعترف بأنّي أحتاج، وأن الأرواح التي أحسّ بأن حبَّ الحياةِ ينبعث فيّ بمجرّد محادثتها أو رؤيتها تعني لي كل شيء، تجعلني أنهض لعلمي بوجودها، تجعلني أكتب لعلمي أنها ستقرأ، أحبّ لأني أعلم أنها تبادلني، أنجح لأني أعلم أنها ستفرح بي، أحب الحياة لأن وجودهم كفيلٌ بذلك... وما إحاطة الله -عز وجل- نبيه محمدًا -صلى الله عليه وسلم- بأناس يسندونه في كل أطوار حياته إلا دلالة عظمى على هذا...

فأمّا إذ فهمنا ما سُطِّر؛ فأرجوكم...

...

...

...

تحمّلونا إذا ما ثقُلنا، إذا ما تعبنا وضجرنا وحزنّا، تحمّلونا ملء حبّنا لكم.. ملء حبّنا لكم وليس العكس، اتّسعوا لنا لو بتنا يومًا نشبه الرماد، لو تمكّن الهواء من بعثرتنا، لو كانت صغائر جراحنا هي القشّة التي قصمت ظهر القوّة فينا... قولوا لنا كلامًا صادقًا يعبّر عنّا فيكم، اجعلونا نشعر بأنّا نستحقّ، لا تجاملوا ولا تصفّوا جملاً حسانًا حتى تؤنسونا بها، لكن قولوا الحقائق فقط، الحقائق الشبيهة بتنفّس الفجر حين يكون تقدُمة للشروق، كما قالت روان مثلاً اليوم لي بعد أن صافحتها: "أستاذة تعبانة"؟ لمَ يا روان(، "يدك حارّة"... وكما قالت وعد حين كنت أخبرهم بأن جدي لأمي -رحمه الله- كان طيّبًا جدًا  -في عرَض حديثنا عن كبار السن-: "طالعة عليه يا أستاذة"... وكما قالت عفاف: "دخلت اليوم مدوّنتك وقرأتُ هذه التدوينة وأحببتها جدًا"... هكذا فقط، هكذا فقط...
والأخيرة هي من دفعتني لأكتب هذه القطعة التائهة هنا، فشكرًا لها.

*قفل:
إنّ الله قد منحني أهلاً وأصدقاء رائعين، أجد في كثيرهم تحمّلي وحبّي، وأوقن أنّ كثيرًا ممّا أنا فيه من خير هو استجابات الله لدعواتهم، ولكنه انبساط الروح والنقباضها والحمد لله...

الخميس، 25 يناير 2018

بعض محاماة عن عقد الصداقة.

أكتب لي هذا قبل كل أحد:

فاطمة هي إحدى الأرواح التي كتب الله لها أن تخوض هذه الحياة؛ لحكمة شاءها، وهي نفسها الروح التي لا تزال تأمِّل أن تسلَم لها الحياة/ ومن في الحياة؛ على أنها تعلم بأنها لا تعدو كونها دنيا وسفرًا ونصبًا وكبدًا و... فلا تلبث أن تتذكر إلا وتعود فتنسى، وتستعيد ذلك الأمل.

 

 

حسنًا: لقد منّ الله عليها بنعمٍ لعلها تفوق عدد أنفاسها –إن لم تكن فاقتها-، ولقد بسَمت أكثر مما عبست، وصبرت أكثر مما ضجرت، ورضيت أكثر مما سخطت، وليس ذلك إلا بمحض فضل الله عليها، ولكنها بشر كلما انحسرت عنه الحياة جاهد ليقرّبها –على علمه أنها ستضربه بمدّها-، ولكنه خُلِق ليجاهد.

 

 

هذه بوابة واسعة بين يدي ما ستقوله، وحتى لا يظن الظان أنها ساخطة عن/ على ما ستكتب عنه الآن، هي توقن بأن الحياة لا تصفو –وإن فعلت-، ولكنها ترسل حديثًا لها/ ولهم؛ كي لا تنسى/ ولا يفعلون...

 

 

-في ذلك اليوم من ذلك العام من عمرك، اليوم الذي اخترت أن تبرم عقد صداقة –على قرب- من أحدهم، أتعلم أنك اخترت أن تكون حوله –ما استطعت-؟ أن تكون متاحًا كلما احتاج قلبك وجده؟

في اليوم الذي اخترت صديقك هذا؛ كان عليك أن تفهم أنك لم تختره حتى تحدثه متى احتجت إليه ثم تغلق دونه طريقك؛ حتى إذا أرادك؛ لم يعثر لك على طريق... وإن كانت الطرق مفتوحى كلها لكنها لا تنتهي إليك؛ فما جدواها؟!

في اليوم الذي اخترته: كان لزامًا عليك أن تفهم أنك اخترته؛ لأيامه الضيقة/ المزدحمة/ القاتمة/ وقل ما شئتَ من أوصاف هذا العالم... ليس لأنه إنسان بائس وسلبي، ولا لأنك، ولا لأني أعني أن الحياة ستغلق أبوابها دونكما، ولكن لأن الكثير يستطيع مشاركة الفرح، وليس يشارك الأحزان إلا الأصفياء/ الأقوياء... أما أن تختار صداقته لتبتسما وتُسرّا؛ فهذا يفعله كل أحد لأي أحد.

 

 

-إن تم لكما ذلك كله؛ فإياك أن تقلق ذلك الصديق القريب عليك يومًا، إياك... أن تجعله بين سماء فكرٍ طويل، وأرض خوف أطول، أن تقرر العزلة بصمت دون أن تخبره بشيء!... أن تغلق كل الطرق إليك دون أن تكترث لمشيه إليك...! فعلى أقل الجهد؛ قل له بأنك لا ترغب بالحديث، بأنك ستأخذ نقاهة من ضجيج الحياة، قل أي شيء، أما الصمت لوقت طويل لا خبر فيه ولو بالإشارة؛ فهذه جناية كبرى على عقدكما...

صدقني هذا الطريق قد يجعل أصدقاءك المقربين يختارون البعد ولو بعد حين؛ فالقلب المحب الذي يهتم كثيرًا فيُقابل بالردود الباهتة، والمشاعر الباردة منك؛ هو يتعلم كيف لا يهتم بك، يتعلم كيف لا يسأل مجددًا ولو غبتَ دهرًا، كيف لا يعنيه أن تطلعه على شيء من أمرك... الذين يختارون الصمت؛ يختارون النهايات بأيديهم.

لا يليق بقلب أحَبّ أن يُركَن أو يُتصرَف معه كغيره من الناس... تختار الغياب؛ غب ما شئت عن الجميع، لكن أطلِع الذي اخترتَ قربَه، وإلا سيختار بعدَك؛ ثم لا تلمه بعد ذلك على شيء...

لك كل الحرية في مشاعرك، في دنياك، في قراراتك، لكن ليس لك أي حق في إشغال أحبابك عليك؛ فأنت تعلم كما أني أعلم أننا نستطيع أن نجد الوقت للالتفات إلى الذين يهمهم أمرنا، الالتفات الذي يقول لهم: نحن بحاجة إلى هدنة حتى نستعيد قدرتنا على متابعة الحياة... التفات فقط، ثم نمضي كيف شئنا.

-وربما كان للحديث بقايا...

 

السبت، 20 يناير 2018

صناعة المُحاور-من البدء حتى الختام.

قبل بدء التسجيل في الدفعة الثالثة –بأربعة أشهر تقريبًا-: كنت قد حدّثتُ نفسي كثيرًا بالانضمام إليهم، وكل شيء في البرنامج كان يشدّني، ابتداءً ممن سبقنني بالالتحاق به والتخرّج-إلى إعلاناته المبثوثة في كل مكان... لكن كيف؟
كيف سأبدأ؟ كيف سأقدم نفسي؟ وما المواثيق التي سيطالبوني بها حتى يأذنون لي في المواد؟ وهل سيقتنعون بوصفي لاحتياجاتي؟ وكيف سأثبت لهم أني صادقة؟ و... كل الأسئلة التي كتبتها ولم أكتبها، والتي خطرت على ذهنك ولم تخطر...!

شمّرتُ عن قراري، فتحت البريد، وقمت بكتابة رسالة تفصيلية أشرح فيها حالي:
قلت لهم بأني كفيفة، وأني أرغب بالالتحاق في البرنامج، ولكن كي أسير مع زميلاتي سواء؛ فلا بد أن تأذنون بتوفر المستويات بصيغة word، وكنت أكتب هذا على استحياء شديد، كيف لا وأنا أعلم بأن مقام البرنامج حساس جدًا، والتلاعب بمقرراته قد يكون مطمعًا للكثير –ومن يضمن لهم بأني لست من أولئك؛ متلبسة بمعيق ما-؟ إضافة إلى الحقوق الفكرية والعلمية وحقوق الطبع وما سوى ذلك... لقد كنت أكتب على هون وأحدث نفسي بأن رفضهم هو الطريق الأقرب –وربما الوحيد- إلا أن يشاء ربي شيئًا، وكنت مستعدة بعد إرسالي الرسالة تلك للإجابة عن كل تساؤل يرِدني منهم؛ ليتثبتوا به عن حقيقة تقدمي للبرنامج، سأجيب عن كل شيء كيف كان؛ المهم أن يتيحوا لي هذه الفرصة التي كانت بعيدًا عني/ أو كنت أراها كذلك...

بعد فترة يسيرة، فتحت بريدي لأجد رسالة منهم محملة بالأسئلة فعلاً، أحسست وقت قراءتها بأن ثمة أمل، كيف؟ لا أعلم، ولكن تجاوبهم يعني إتاحة الفرصة للنقاش حول المشكلة بشكل أو بآخر...
كانت الرسالة تحتوي على مضمون يتلخص في أن توفير المستويات بصيغة word، أمر شبه مستحيل؛ للأسباب التي ذكرتها أعلاه، وكلنا يعرفها، ووعدوا بتوفير ما استطاعوا من المواد بصيغة صوتية... لكن هذا لا يكفي، فبالطبع سأظل متأخرة عن زميلاتي في الدفعة؛ إن توفرت بعض المواد دون بعض؛ ولكن لا بأس، لأحاول إقناعهم مجددًا...
قمت فورًا بكتابة بريد آخر: أخبرتهم فيه عن صعوبة تلخيص المواد الصوتية والعودة إليها، بالمقارنة مع سهولة ذلك لو كانت المواد مكتوبة، نعم ظننتُ لحظتها بأن لديهم تلك الفكرة الشائعة عن الكفيف، وأنه يفضل الاستماع إلى المقاطع الصوتية، لكن كيف أقنعهم بأنها فكرة ليست بتلك الدقة، ولا بذلك الشيوع الذي يعتقدونه ويعتقده الكثير مثلهم، الكفيف الذي اعتاد الاستماع يجد صعوبة في استرجاع المعلومات؛ خاصة بعد إتاحة الدراسة بطريقة بريل المعروفة، وبعد توفر الطابعات بها، فقد صارت النصوص المكتوبة متوفرة وميسرة، ولكن البرامج الإلكترونية التي نستخدمها لا تدعم سوى الملفات المكتوبة بصيغة word... وبعثت إليهم البريد.
لأعود وأفتح بريدي حيث تلقيت إشعارًا منهم بأسئلة أخرى: ما الأجهزة التي تستخدمينها للقراءة؟ أنواع البرامج المستخدمة لذلك؟ وأسماؤها... وأسئلة لمزيد من التثبت، ولم أكن لألومهم على شيء من ذلك، أجبت عن كلها وأرسلت البريد من جديد.

بعدها بفترة لعلها يومين: أرسلوا لي برد حازم يغلق الباب –تقريبًا-، وأنهم لم يجدوا سعة في توفير المواد كما أريد... ووعدوا بتوفير ما استطاعوا منها صوتيًا.
قرأت ما قالوا ثم قلت في نفسي: سأسجل على أية حال، لا أعرف كيف سأسير بإزائهم ولكني سأسجل.
*هامش: قالت أمي بأنها مستعدة لقراءة كل شيء لي، وقالت لي صديقة مثل ذلك، وقد كانت قد التحقت مثلي في البرنامج، وقالت بأن ذلك سيعينها أيضًا على الاستمرار في دراسة المقررات، فامتننتُ على كل هذا، وقبل بدء أي شيء...

بدأت فترة التسجيل، سجلت، وكان ثمة اختبار في كتاب سابغات –قبل البدء بالمستويات الفعلية-، لم يكن الكتاب متوفرًا إلا مصورًا، ولكنهم غردوا بتلخيص صوتي للكتاب، قمت بتشغيله والاستماع إليه، ودخلت الاختبار، نعم ثلاثة أرباع الأسئلة لم تكن ضمن التلخيص، ولكني رضيت بكل شيء.
وجاء اليوم الأول للدراسة الفعلية، كنت أقرأ رسالتهم الصباحية بشغف –على الرغم من أني لم أكن أملك من المواد شيئًا-، لم يرسل لي كما أرسل لغيري في القناة، رابط المستوى مصورًا، وصفحات الكتب كل كتاب على حدة لمن أراد القراءة منها، وروابط الكتب مستقلة، ولم يكن الجدول مكتوبًا حتى، كان صورة، وكان تطبيق تيليجرام –أعني لا زال- لا يدعم إمكانية وصول ذوي الاحتياجات الخاصة، بمعنى أني أنسخ كل رسالة وألصقها في ملاحظة؛ حتى تكون نصًا مكتوبًا يمكنني قراءته، وإن لم أتمكن من نسخها بشكل صحيح؛ فلا بد من الاستعانة بالله، ثم بعيني أحد ممن حولي، مع ذلك كله قرأت رسالة البداية منهم وكأني أمتلك كل شيء، قرأتها بفرح غامر، على الأقل أصبحت طالبة في هذا البرنامج...
بعد ظهر ذلك اليوم، أرسلوا في قناة البرنامج مقطعًا صوتيًا بمقرر اليوم فقط، ويا ألله كيف كان شعوري إذ رأيت الرسالة!... فرحت بها فرحًا شديدة وقلت: "أول الغيث يا فاطمة"، وأزمعت على إرسال بريد شكر لهم على المقطع، وعلى استحثاثهم أن يرسلوا مقاطع كل مقرر في وقته، نعم لم يكن الطموح لكنه المتاح.
*هامش: استغرقت في الاستماع لمقطع المقرر الأول فقط وتلخيصه حتى أتمكن من الرجوع إليه أكثر من ساعتين، والمقطع لم يكن سوى نصف ساعة... تلك هي الصعوبة التي كنت أعنيها في الاستماع إلى المقاطع وتلخيصها...

وفعلاً، قبل الاستماع إلى المقطع؛ كتبتُ بريدًا أشكرهم فيه على الوفاء بوعدهم وتوفير المقرر الأول بصيغة مسموعة، بإرسال رد على بريدي الذي بعثته لهم قبل أربعة أشهر؛ حتى يعلموا بأني صدقتُ في الطلب، وكان ردهم الفتح الذي أتاني من الموضع الذي لم أكن أحسب... كنت أطمح بتوالي المقاطع الصوتية فقط، ولكنهم وعدوا بإرسال المستوى بصيغة word... قرأتُ الرسالة كثيرًا حتى أصدّق، وأرسلتها إلى صديقاتي لعلهم يعينوني على التصديق... كانت ليلة ماطرة، وكانت عيناي مثلهما... أذكر أني وقفت ودعوتُ لهم كثيرًا كثيرًا، لقد كان صعبًا علي أن أكون بحجم الثقة التي منحوني بلا مقابل، أعلم أن من حقي أخذ العلم كغيري، ولكن ليس من واجبهم أن يتنازلوا عن حقوقهم لأجل هذا... كنت ممتلئة بشعور ثمين جدًا، الشعور الذي حتى الآن لا أعرف كيف يمكن المكافأة عليه! لكنما على الله المكافأة.

ثم بدأوا بإرسال المستويات واحدًا يتلو صاحبه، ولا أنسى لهم تفقدهم لاجتيازي بعد بعض المستويات، وإرسالهم أهم ما في القناة على بريدي، لقد كانوا يصوّرون كثيرًا من معاني الكرم التي كنت أوقن أنها موجودة على الأرض، ولكني لم أكن لأجزم بأنها ستحصل لي يومًا... إنما لطف الله بي ورحمته.
نعم مررتُ ببعض الصعوبات –كأي أحد-، مثلاً لم أعثر على كتاب سابغات مسموعًا إلا متأخرُا، ولم أفكر بالبحث عنه أصلاً لأني لم أكن أظن بأن أحدًا سجله كاملاً، خاصة بعد استماعي لملخصه، لكنهم أرسلوه لي وأعانوني على الإكمال.
أيضًا تأخر إرسالهم لتطبيقات المستوى الخامس –بغير إرادتهم-، لكنهم كانوا يشعروني باهتمامهم في منتهى الذوق والخلق الحسن...
وحين أعلمونا بوجود بحث تخرج قلقت شيئًا ما بشأن الكتاب الذي يمكن أن أتناوله بالبحث، وطمحت أن يكون كتابًا معاصرًا لم يُسبَق بالبحث، واخترت كتاب سؤالات تحكيم الشريعة لد. فهد العجلان وأ. مشاري الشثري، وفكرت بسؤال د. فهد أن يوفر لي الكتاب بصيغة word، وكان ذلك، وشرحت له كل شيء، وكنت مستعدة –ككل مرة- لتلقي التساؤلات والاستثباتات و... ولكن الشيخ –أجزل الله له الثواب- لم يزِد على أن أرفق الكتاب بالصيغة المطلوبة، بل زاد دعاءً طيبًا؛ لا أظنه يعلم قوة تأثيره حتى الآن، وأجزم حتى الأبد...
والحمد لله، خلال ثمانية أشهر، كنت أتلقى دروسًا عظيمة في حسن الخلق، كنت أعجب لوجود إدارة بهذه القوة –على أني أجزم بأنهم ليسوا بتلك الكثرة- لكنما هي بركة الله، والعمل الخالص –نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله-.
ومن هنا: أشكر الله أن سخر لي جندًا طيبُا كهذا، وأحمده أن بلغني التخرج من هذه الدفعة بكل رضا، وأسأله أن يزيد كل قائم على هذا البرنامج من فضله الواسع، أن يزيدهم حتى يرضوا ويرضى عنهم... وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعه ودعا الناس إلى سلوك نهجه، وحشرنا في زمرته وبلغنا شفاعته... آمين.
فاطمة بنت عبد الرحمن الغامدي/ خريجة من الدفعة الثالثة لبرنامج صناعة المحاور.

الجمعة، 3 يناير 2014

لاجئةٌ، في قربها، واقترابي منها!


  • همست في مسمِعي -ذات حديثٍ جميل-: فاطمة, أريدكِ أن تصفيها لي, أعرف شكلها, أعلم أنها شيءٌ عظيم, لكني أريدها في شعورك ساعة أن تقفي أمامها... حسنًا لم أكن لأفكر أن أكتب فيها يومًا, -لبساطةِ أنها لايُمَدّ فيها مداد, ولن تتقن دفاتر العالم ضمّ فرح الوريد, قوة ضخه للبهجة حين يقترب منها...
    لكنما آيات الله إذ تتلى؛ توجز وتفي:
    "إنّ أوّلَ بيتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذي ببكّةَ مباركًا وهدًى للعالمين * فيه آياتٌ بيّناتٌ مقامُ إبراهيمَ ومن دخله كان آمنًا..." آل عمران| 96-97.
    يقول ابن كثير * في تفسيره:
    يخبر أن أول بيت وضع للناس: أي لعموم الناس, لعبادتهم ونسكهم, يصلون إليه ويطوفون به ويعتكفون عنده, للذي ببكة: أي الكعبة التي بناها إبراهيم -عليه السلام-, | فهو أول بيت وضع مباركًا للناس كافة.
    يقول:
    بكة: من أسماء مكة على المشهور, قيل سميت بذلك لأنها تبكّ أعناق الظلمة والجبابرة, بمعنى: يخضعون عندها, وقيل: لأن الناس يبكّون بها, أي: يزدحمون.
    وقوله: "ومن دخله كان آمنًا" أي: حرم مكة يدخله الخائف فيأمن من كل سوء.
    انتهى كلامه -رحمه الله-.

    ففي الآيتين خمس أفضال: أول بيت وضع للناس, مباركًا, هدًى للعالمين, آيات بينات ومنها مقام إبراهيم, والخامسة أن من دخله أمن على نفسه وكل ما ملك.
    أي هباتك يالله نحمد...!

    دخلت فأخذت أرمق الكعبة المهيبة بوجل, ماذا سأصف...؟!
    من سالف زمنها, حين جاء إبراهيم -عليه السلام- ليزور ابنه إسماعيل -عليه السلام- في مكة, وقد أمره الله -تعالى- ببنائها, فبناها مع ابنه, غرقت في التفكر كيف بنيت هذه الكعبة, كيف كانا يبنيانها تعبدًا لخالقهما, فوجدتُ ما يرسو بي نحو شاطئٍ آمن:
    "وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم" البقرة| 127-129
    لن أنقل تفسيرًا لها, إنها تفسر نفسها لمن كان له قلب, نعم تفعل هذا ومنزلها.!
    يدعوان بالقبول| الثبات| الهداية| التوبة, ثم يدعوان لنا, للأمة التي ستأتي بعدهما... يا لدفء تلك الدعوات, يا لعمق استيطانها شغاف القلب...!
    أخذت أذوب في جمال الصورة, يدعوان وهما يبنيان, وهما يبنيان...!
    ثم يرحلان وتأتي القرون بعدهما تسوق القرون, ويتحقق وعد الله, ويستجيب الله دعاءهما, ويستجيب...!
    في بدء دعوة حبيبنا -صلى الله عليه وسلم- نعم زرت ذلك الزمان, زرت وقطنت معهم فيه وفيها معًا, جوار الكعبة عُذِب نبيي -بنفسي وأيامي-, بجوار الكعبة ألقيت على ظهره الأشياء التي ألقيت وهو يصلي, بجوار الكعبة عُذِب ابن مسعود حين جهر بالقرآن قسرًا, أخرج بلال منها إلى الصحارى وكاد يُزهَق قهرًا, أُخِذ عمار وأسرته من هناك ونُكّل بهم... فكان يصلي الذي يصلي, لا يصلي إلا بوساطةٍ له إن كانت, أو جاهٍ أغناه الله به يدفع به عن نفسه...!

    ثم إن مكة فُتحت, دخل المسلمون بالرايات, جهر ابن مسعود بكتاب الله مرفوع الجبين, وربما أذن بلال هناك بصوت الإسلام المعتلي المنصور, وربما صلى عمار مطمئنًا... وحبيبي ينظر فيبسم لكل ذاك, ويحمد الله على وعده الذي كان يظنه سيتمه وأتمّه.

    بقربها: كانت مدارس التفسير, كان ابن عباس هناك, يأتيه نافع بن الأزرق ليسأله مسائل في كتاب الله, يجيبه وهو مستندٌ إلى الكعبة, نعم إليها دونما كلمة من أحد, يأتي بلال بن أبي رباح ليعلمهم تفسير كتاب الله فيما أخذ هناك, وعطاء, ومجاهد, وعكرمة... والكعبة تشهد هذا كله.!
    والقرون تمضي فنجيء نحن, ونشهد أنهم كانوا هنا, أنظر إليها وأنا أرى حكاياهم كأنوارٍ تشع حول الكعبة وتكاد تخلق فيها مشاعل منهم, تكاد ترينا ما فعلوا وترومنا أن نفعل مثل ما فعلوا.!
    تحضر لاجئةٌ إلى فكري فتقول: اقتربي منها, الثميها, أسمعي منها من كثب, فأدنو ولا أكون أظن أن بالإمكان ذاك, فيقدُرُ ربي ما يشاء, وأصل, يلامسها كفي وأنا أشعر أن قلبي قفز مني إلى كفي, وسكن هناك, ألامسها وأسمع صمتها المهيب يقول كل شيء, ويخبرني أن في التاريخ أشيـاء... اضطررت أن أبتعد, وإذ بالفؤاد يعلن اعتراضه... فسرتُ مرغمةً, وتركته هنـاك, ولا آسى على ذلك.!

    إن كان من شتاتٍ هنا, فلا بأس, ألم أقل بأني تركت قلبي هنـاك... فلا شيء يلملمني إذاما كتبت.... ثم ليس فقط!

    *للقلب الذي سألني وصفها, رزقكِ القدير لثمها عاجلاً عاجلاً عاجلاً, ومن يرجو... ولا زلت أرجو!

    |فاطمة الغامدي, قلبها يملي عليها من هنـاك, وتكتب من هنا.!

الأربعاء، 20 نوفمبر 2013

كتابٌ، قُرئ؛ فنبّه!

هل سأكون الآن قاتمة جدًا, هل سأُدمِع قلوبًا, هل سأُشعِر من يقرأني بمرارة الحياة؟
لا بأس, قد نكون بحاجة لهذا أحيانًا, ربما ليعلو الإشراق أرواحنا من جديد, ونحن أنقياء... أنقياء ببعض اليقين, ببعض الفوق من غفلتنا, وببعض القرب من الله, القرب الذي لطالما ابتعد كثيرًا... ابتعد آمادًا و... لا يعلم كيف يعود.!

كنت أقول لصديقتي: هذا الكتاب, سنظمأ لفتحه كلما غفلنا, سنحاول أن نعود إليه لنصحو كلما قاربنا على السبات الذي يفقدنا لذة الحياة.!
في: زوائد مسلم على البخاري, كتاب الجنائز... ... ... وماذا بعد هذا!؟

بدأت إحداهن تقرأ, ويرتجف القلب مع كل لفظةٍ في حديث, مع كل حقيقةٍ تذكر هنا وتغيب عن أذهاننا غالبًا, ومع الأوصاف:

كيف يكون حسن الخاتمة| سوؤها, كيف يحدث هذا, كيف نلقّن المحتضر الشهادة, كيف تكون ملائكة الله أقرب إليه من حبل الوريد, كيف يكون بيننا وفي جزءٌ من اللحظةِ يُغمِض, ويمضي إلى الله...

ثم نعيم الأرواح الزكية, صعودها إلى السماء وترحاب الملائكِ بها, وصعود الأرواح الخبيثة ثم تعوذ الملائكة منها ومن من كانت تعيش به ويعيش بها.

القبر وما أدراك ما القبر, الأحاديث التي ما إن بدأت تُقرأ إلا ويتزلزل قلبي, وتتفتت أضلاعه ألمًا, ويبكي وهو لا يبكي.!
أين موضعه وإلى أين يتّجه, وكيف يحفر وأين يوضع الميت.!
ثم وصف اللحد الذي لا زال يهذّب نفسي المقصرة حتى الآن, وأرجو الله أن يظل.
اللحد وهو الحفرة التي تكون من ناحية اتجاه القبلة في القبر, يحفر ويُدخَل فيه الميّت, ثم يغلق عليه باللَبِن.
سألتْ: لماذا اللحد يا أ.!
الأ.: اللحد كرامة للمسلم؛ كي يُبعَد عن السباع والحشرات أكبر قدرٍ ممكن.
يا للإسلام!

حسنًا, ربما بعد هذه اللحظة لم أعُد أعي ما يُقال, أخذ فكري يجول في اللحد وأين أنا منه, ومتى سأكون, وبدأ كل العمر يبهت أمام عينيّ وقلبي معًا.
أحسست أنّا -حقًّا لا مراء- في سفر, نعم نحن مسافرون واللحد هو مبدأ المنتهى.!
شعرت بوهج نفسي يتلاشى شيئًا شيئًا, وأبصرتُني وكأني الزهرة التي كانت تُسقى ولم تعُد.!

نحن صدقًا غافلون, غافلون كثيرًا, نسمع بأخبار الموتى, نكتفي ب: الله يرحمه, والتأثر ساعات| أيام| سنوات, ثم يعود كل شيء كما كان, لم أكن يومًا ضدًا لجمال الحياة وزهرتها, لم أكن لأقفَ عن ما وُجِدتُ له إلا أن يشاء ربي شيئًا, لكني ضدًا دائمًا لغفلةِ نفسي ونفسك عن هذه الحقيقة, الحقيقة التي ستجاهدنا ونجاهدها, فإما أن نغلِب, أو تغلِب.!
لا بد أن تتراءى صورة اللحد أمام أنفسنا في كل دقيقة, وإلا كيف سنستعد له.!؟

نعم قد نقرأ هذا ونفكر كثيرًا,, نستشعر ونشرع في التنفيذ الجاد, لكنا قلوبنا الضعيفة بحاجةٍ إلى حبلٍ تمسّك به, تلجأ إليه وهو الذي سيثبّتها حتى اللحد, حتى السؤال والحساب, وحتى الجنة بإذنه.!

القلب الذي قرأ وتأثر, ستشرق روحك الآن: أعِدُك...

اللهم المنتهى فردوسك.!

|فاطمة الغامدي.