- همست في مسمِعي -ذات حديثٍ جميل-: فاطمة, أريدكِ أن تصفيها لي, أعرف شكلها, أعلم أنها شيءٌ عظيم, لكني أريدها في شعورك ساعة أن تقفي أمامها... حسنًا لم أكن لأفكر أن أكتب فيها يومًا, -لبساطةِ أنها لايُمَدّ فيها مداد, ولن تتقن دفاتر العالم ضمّ فرح الوريد, قوة ضخه للبهجة حين يقترب منها...
لكنما آيات الله إذ تتلى؛ توجز وتفي:
"إنّ أوّلَ بيتٍ وُضِعَ للنّاسِ للّذي ببكّةَ مباركًا وهدًى للعالمين * فيه آياتٌ بيّناتٌ مقامُ إبراهيمَ ومن دخله كان آمنًا..." آل عمران| 96-97.
يقول ابن كثير * في تفسيره:
يخبر أن أول بيت وضع للناس: أي لعموم الناس, لعبادتهم ونسكهم, يصلون إليه ويطوفون به ويعتكفون عنده, للذي ببكة: أي الكعبة التي بناها إبراهيم -عليه السلام-, | فهو أول بيت وضع مباركًا للناس كافة.
يقول:
بكة: من أسماء مكة على المشهور, قيل سميت بذلك لأنها تبكّ أعناق الظلمة والجبابرة, بمعنى: يخضعون عندها, وقيل: لأن الناس يبكّون بها, أي: يزدحمون.
وقوله: "ومن دخله كان آمنًا" أي: حرم مكة يدخله الخائف فيأمن من كل سوء.
انتهى كلامه -رحمه الله-.
ففي الآيتين خمس أفضال: أول بيت وضع للناس, مباركًا, هدًى للعالمين, آيات بينات ومنها مقام إبراهيم, والخامسة أن من دخله أمن على نفسه وكل ما ملك.
أي هباتك يالله نحمد...!
دخلت فأخذت أرمق الكعبة المهيبة بوجل, ماذا سأصف...؟!
من سالف زمنها, حين جاء إبراهيم -عليه السلام- ليزور ابنه إسماعيل -عليه السلام- في مكة, وقد أمره الله -تعالى- ببنائها, فبناها مع ابنه, غرقت في التفكر كيف بنيت هذه الكعبة, كيف كانا يبنيانها تعبدًا لخالقهما, فوجدتُ ما يرسو بي نحو شاطئٍ آمن:
"وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم * ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم * ربنا وابعث فيهم رسولاً منهم يتلو عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم إنك أنت العزيز الحكيم" البقرة| 127-129
لن أنقل تفسيرًا لها, إنها تفسر نفسها لمن كان له قلب, نعم تفعل هذا ومنزلها.!
يدعوان بالقبول| الثبات| الهداية| التوبة, ثم يدعوان لنا, للأمة التي ستأتي بعدهما... يا لدفء تلك الدعوات, يا لعمق استيطانها شغاف القلب...!
أخذت أذوب في جمال الصورة, يدعوان وهما يبنيان, وهما يبنيان...!
ثم يرحلان وتأتي القرون بعدهما تسوق القرون, ويتحقق وعد الله, ويستجيب الله دعاءهما, ويستجيب...!
في بدء دعوة حبيبنا -صلى الله عليه وسلم- نعم زرت ذلك الزمان, زرت وقطنت معهم فيه وفيها معًا, جوار الكعبة عُذِب نبيي -بنفسي وأيامي-, بجوار الكعبة ألقيت على ظهره الأشياء التي ألقيت وهو يصلي, بجوار الكعبة عُذِب ابن مسعود حين جهر بالقرآن قسرًا, أخرج بلال منها إلى الصحارى وكاد يُزهَق قهرًا, أُخِذ عمار وأسرته من هناك ونُكّل بهم... فكان يصلي الذي يصلي, لا يصلي إلا بوساطةٍ له إن كانت, أو جاهٍ أغناه الله به يدفع به عن نفسه...!
ثم إن مكة فُتحت, دخل المسلمون بالرايات, جهر ابن مسعود بكتاب الله مرفوع الجبين, وربما أذن بلال هناك بصوت الإسلام المعتلي المنصور, وربما صلى عمار مطمئنًا... وحبيبي ينظر فيبسم لكل ذاك, ويحمد الله على وعده الذي كان يظنه سيتمه وأتمّه.
بقربها: كانت مدارس التفسير, كان ابن عباس هناك, يأتيه نافع بن الأزرق ليسأله مسائل في كتاب الله, يجيبه وهو مستندٌ إلى الكعبة, نعم إليها دونما كلمة من أحد, يأتي بلال بن أبي رباح ليعلمهم تفسير كتاب الله فيما أخذ هناك, وعطاء, ومجاهد, وعكرمة... والكعبة تشهد هذا كله.!
والقرون تمضي فنجيء نحن, ونشهد أنهم كانوا هنا, أنظر إليها وأنا أرى حكاياهم كأنوارٍ تشع حول الكعبة وتكاد تخلق فيها مشاعل منهم, تكاد ترينا ما فعلوا وترومنا أن نفعل مثل ما فعلوا.!
تحضر لاجئةٌ إلى فكري فتقول: اقتربي منها, الثميها, أسمعي منها من كثب, فأدنو ولا أكون أظن أن بالإمكان ذاك, فيقدُرُ ربي ما يشاء, وأصل, يلامسها كفي وأنا أشعر أن قلبي قفز مني إلى كفي, وسكن هناك, ألامسها وأسمع صمتها المهيب يقول كل شيء, ويخبرني أن في التاريخ أشيـاء... اضطررت أن أبتعد, وإذ بالفؤاد يعلن اعتراضه... فسرتُ مرغمةً, وتركته هنـاك, ولا آسى على ذلك.!
إن كان من شتاتٍ هنا, فلا بأس, ألم أقل بأني تركت قلبي هنـاك... فلا شيء يلملمني إذاما كتبت.... ثم ليس فقط!
*للقلب الذي سألني وصفها, رزقكِ القدير لثمها عاجلاً عاجلاً عاجلاً, ومن يرجو... ولا زلت أرجو!
|فاطمة الغامدي, قلبها يملي عليها من هنـاك, وتكتب من هنا.!
الجمعة، 3 يناير 2014
لاجئةٌ، في قربها، واقترابي منها!
الاشتراك في:
تعليقات الرسالة (Atom)
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق