قبل بدء التسجيل في الدفعة الثالثة –بأربعة أشهر تقريبًا-: كنت قد حدّثتُ نفسي كثيرًا بالانضمام إليهم، وكل شيء في البرنامج كان يشدّني، ابتداءً ممن سبقنني بالالتحاق به والتخرّج-إلى إعلاناته المبثوثة في كل مكان... لكن كيف؟
كيف سأبدأ؟ كيف سأقدم نفسي؟ وما المواثيق التي سيطالبوني بها حتى يأذنون لي في المواد؟ وهل سيقتنعون بوصفي لاحتياجاتي؟ وكيف سأثبت لهم أني صادقة؟ و... كل الأسئلة التي كتبتها ولم أكتبها، والتي خطرت على ذهنك ولم تخطر...!
شمّرتُ عن قراري، فتحت البريد، وقمت بكتابة رسالة تفصيلية أشرح فيها حالي:
قلت لهم بأني كفيفة، وأني أرغب بالالتحاق في البرنامج، ولكن كي أسير مع زميلاتي سواء؛ فلا بد أن تأذنون بتوفر المستويات بصيغة word، وكنت أكتب هذا على استحياء شديد، كيف لا وأنا أعلم بأن مقام البرنامج حساس جدًا، والتلاعب بمقرراته قد يكون مطمعًا للكثير –ومن يضمن لهم بأني لست من أولئك؛ متلبسة بمعيق ما-؟ إضافة إلى الحقوق الفكرية والعلمية وحقوق الطبع وما سوى ذلك... لقد كنت أكتب على هون وأحدث نفسي بأن رفضهم هو الطريق الأقرب –وربما الوحيد- إلا أن يشاء ربي شيئًا، وكنت مستعدة بعد إرسالي الرسالة تلك للإجابة عن كل تساؤل يرِدني منهم؛ ليتثبتوا به عن حقيقة تقدمي للبرنامج، سأجيب عن كل شيء كيف كان؛ المهم أن يتيحوا لي هذه الفرصة التي كانت بعيدًا عني/ أو كنت أراها كذلك...
بعد فترة يسيرة، فتحت بريدي لأجد رسالة منهم محملة بالأسئلة فعلاً، أحسست وقت قراءتها بأن ثمة أمل، كيف؟ لا أعلم، ولكن تجاوبهم يعني إتاحة الفرصة للنقاش حول المشكلة بشكل أو بآخر...
كانت الرسالة تحتوي على مضمون يتلخص في أن توفير المستويات بصيغة word، أمر شبه مستحيل؛ للأسباب التي ذكرتها أعلاه، وكلنا يعرفها، ووعدوا بتوفير ما استطاعوا من المواد بصيغة صوتية... لكن هذا لا يكفي، فبالطبع سأظل متأخرة عن زميلاتي في الدفعة؛ إن توفرت بعض المواد دون بعض؛ ولكن لا بأس، لأحاول إقناعهم مجددًا...
قمت فورًا بكتابة بريد آخر: أخبرتهم فيه عن صعوبة تلخيص المواد الصوتية والعودة إليها، بالمقارنة مع سهولة ذلك لو كانت المواد مكتوبة، نعم ظننتُ لحظتها بأن لديهم تلك الفكرة الشائعة عن الكفيف، وأنه يفضل الاستماع إلى المقاطع الصوتية، لكن كيف أقنعهم بأنها فكرة ليست بتلك الدقة، ولا بذلك الشيوع الذي يعتقدونه ويعتقده الكثير مثلهم، الكفيف الذي اعتاد الاستماع يجد صعوبة في استرجاع المعلومات؛ خاصة بعد إتاحة الدراسة بطريقة بريل المعروفة، وبعد توفر الطابعات بها، فقد صارت النصوص المكتوبة متوفرة وميسرة، ولكن البرامج الإلكترونية التي نستخدمها لا تدعم سوى الملفات المكتوبة بصيغة word... وبعثت إليهم البريد.
لأعود وأفتح بريدي حيث تلقيت إشعارًا منهم بأسئلة أخرى: ما الأجهزة التي تستخدمينها للقراءة؟ أنواع البرامج المستخدمة لذلك؟ وأسماؤها... وأسئلة لمزيد من التثبت، ولم أكن لألومهم على شيء من ذلك، أجبت عن كلها وأرسلت البريد من جديد.
بعدها بفترة لعلها يومين: أرسلوا لي برد حازم يغلق الباب –تقريبًا-، وأنهم لم يجدوا سعة في توفير المواد كما أريد... ووعدوا بتوفير ما استطاعوا منها صوتيًا.
قرأت ما قالوا ثم قلت في نفسي: سأسجل على أية حال، لا أعرف كيف سأسير بإزائهم ولكني سأسجل.
*هامش: قالت أمي بأنها مستعدة لقراءة كل شيء لي، وقالت لي صديقة مثل ذلك، وقد كانت قد التحقت مثلي في البرنامج، وقالت بأن ذلك سيعينها أيضًا على الاستمرار في دراسة المقررات، فامتننتُ على كل هذا، وقبل بدء أي شيء...
بدأت فترة التسجيل، سجلت، وكان ثمة اختبار في كتاب سابغات –قبل البدء بالمستويات الفعلية-، لم يكن الكتاب متوفرًا إلا مصورًا، ولكنهم غردوا بتلخيص صوتي للكتاب، قمت بتشغيله والاستماع إليه، ودخلت الاختبار، نعم ثلاثة أرباع الأسئلة لم تكن ضمن التلخيص، ولكني رضيت بكل شيء.
وجاء اليوم الأول للدراسة الفعلية، كنت أقرأ رسالتهم الصباحية بشغف –على الرغم من أني لم أكن أملك من المواد شيئًا-، لم يرسل لي كما أرسل لغيري في القناة، رابط المستوى مصورًا، وصفحات الكتب كل كتاب على حدة لمن أراد القراءة منها، وروابط الكتب مستقلة، ولم يكن الجدول مكتوبًا حتى، كان صورة، وكان تطبيق تيليجرام –أعني لا زال- لا يدعم إمكانية وصول ذوي الاحتياجات الخاصة، بمعنى أني أنسخ كل رسالة وألصقها في ملاحظة؛ حتى تكون نصًا مكتوبًا يمكنني قراءته، وإن لم أتمكن من نسخها بشكل صحيح؛ فلا بد من الاستعانة بالله، ثم بعيني أحد ممن حولي، مع ذلك كله قرأت رسالة البداية منهم وكأني أمتلك كل شيء، قرأتها بفرح غامر، على الأقل أصبحت طالبة في هذا البرنامج...
بعد ظهر ذلك اليوم، أرسلوا في قناة البرنامج مقطعًا صوتيًا بمقرر اليوم فقط، ويا ألله كيف كان شعوري إذ رأيت الرسالة!... فرحت بها فرحًا شديدة وقلت: "أول الغيث يا فاطمة"، وأزمعت على إرسال بريد شكر لهم على المقطع، وعلى استحثاثهم أن يرسلوا مقاطع كل مقرر في وقته، نعم لم يكن الطموح لكنه المتاح.
*هامش: استغرقت في الاستماع لمقطع المقرر الأول فقط وتلخيصه حتى أتمكن من الرجوع إليه أكثر من ساعتين، والمقطع لم يكن سوى نصف ساعة... تلك هي الصعوبة التي كنت أعنيها في الاستماع إلى المقاطع وتلخيصها...
وفعلاً، قبل الاستماع إلى المقطع؛ كتبتُ بريدًا أشكرهم فيه على الوفاء بوعدهم وتوفير المقرر الأول بصيغة مسموعة، بإرسال رد على بريدي الذي بعثته لهم قبل أربعة أشهر؛ حتى يعلموا بأني صدقتُ في الطلب، وكان ردهم الفتح الذي أتاني من الموضع الذي لم أكن أحسب... كنت أطمح بتوالي المقاطع الصوتية فقط، ولكنهم وعدوا بإرسال المستوى بصيغة word... قرأتُ الرسالة كثيرًا حتى أصدّق، وأرسلتها إلى صديقاتي لعلهم يعينوني على التصديق... كانت ليلة ماطرة، وكانت عيناي مثلهما... أذكر أني وقفت ودعوتُ لهم كثيرًا كثيرًا، لقد كان صعبًا علي أن أكون بحجم الثقة التي منحوني بلا مقابل، أعلم أن من حقي أخذ العلم كغيري، ولكن ليس من واجبهم أن يتنازلوا عن حقوقهم لأجل هذا... كنت ممتلئة بشعور ثمين جدًا، الشعور الذي حتى الآن لا أعرف كيف يمكن المكافأة عليه! لكنما على الله المكافأة.
ثم بدأوا بإرسال المستويات واحدًا يتلو صاحبه، ولا أنسى لهم تفقدهم لاجتيازي بعد بعض المستويات، وإرسالهم أهم ما في القناة على بريدي، لقد كانوا يصوّرون كثيرًا من معاني الكرم التي كنت أوقن أنها موجودة على الأرض، ولكني لم أكن لأجزم بأنها ستحصل لي يومًا... إنما لطف الله بي ورحمته.
نعم مررتُ ببعض الصعوبات –كأي أحد-، مثلاً لم أعثر على كتاب سابغات مسموعًا إلا متأخرُا، ولم أفكر بالبحث عنه أصلاً لأني لم أكن أظن بأن أحدًا سجله كاملاً، خاصة بعد استماعي لملخصه، لكنهم أرسلوه لي وأعانوني على الإكمال.
أيضًا تأخر إرسالهم لتطبيقات المستوى الخامس –بغير إرادتهم-، لكنهم كانوا يشعروني باهتمامهم في منتهى الذوق والخلق الحسن...
وحين أعلمونا بوجود بحث تخرج قلقت شيئًا ما بشأن الكتاب الذي يمكن أن أتناوله بالبحث، وطمحت أن يكون كتابًا معاصرًا لم يُسبَق بالبحث، واخترت كتاب سؤالات تحكيم الشريعة لد. فهد العجلان وأ. مشاري الشثري، وفكرت بسؤال د. فهد أن يوفر لي الكتاب بصيغة word، وكان ذلك، وشرحت له كل شيء، وكنت مستعدة –ككل مرة- لتلقي التساؤلات والاستثباتات و... ولكن الشيخ –أجزل الله له الثواب- لم يزِد على أن أرفق الكتاب بالصيغة المطلوبة، بل زاد دعاءً طيبًا؛ لا أظنه يعلم قوة تأثيره حتى الآن، وأجزم حتى الأبد...
والحمد لله، خلال ثمانية أشهر، كنت أتلقى دروسًا عظيمة في حسن الخلق، كنت أعجب لوجود إدارة بهذه القوة –على أني أجزم بأنهم ليسوا بتلك الكثرة- لكنما هي بركة الله، والعمل الخالص –نحسبهم كذلك ولا نزكيهم على الله-.
ومن هنا: أشكر الله أن سخر لي جندًا طيبُا كهذا، وأحمده أن بلغني التخرج من هذه الدفعة بكل رضا، وأسأله أن يزيد كل قائم على هذا البرنامج من فضله الواسع، أن يزيدهم حتى يرضوا ويرضى عنهم... وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه ومن تبعه ودعا الناس إلى سلوك نهجه، وحشرنا في زمرته وبلغنا شفاعته... آمين.
فاطمة بنت عبد الرحمن الغامدي/ خريجة من الدفعة الثالثة لبرنامج صناعة المحاور.
أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذف-
ردحذف-
-
أيقنت عندما قرأت كلامك ومن قبل أن أقرأ انك من صويحبات الهمم العاليه رعاكِ الله يا ألق فأنت عُرفتِ بأن لديكِ وازعاً قويةً وباعثاً ومحرّكاً عالياً للإنجاز ، تحديتِ كافّة العقبات والعراقيل، رفضتِ رفضاً تاماً للإستسلام والخنوع، فطوبى لكِ يا صاحبة الهمّة العالية التي لا تعرف تقديم التسويغات وشرح الأعذار ولا تُلقي اللوم هنا وتحتجّ بعطلٍ هناك وتتعذر بانشغالات أكثر أهمية محاولةً إعفاء نفسها والتنصّل عن طلب العلم، وماذا عساي أن أقول لك عجز لساني وعجزت أحرفي فإنما هذا لطف من اللطيف وكرم من الكريم سبحانه اللهم زدها وأعظم في العطايا والفضل اللهم ارزقها الدرجات العُلا والنعيم المقيم ..
💚🌿